محمد هادي معرفة

154

التمهيد في علوم القرآن

هذه القسمة التي أنكرها عليهم ، وكانت الجملة كلها كأنها تصوّر في هيئة النطق بها ، الإنكار في الأولى والتهكّم في الأخرى . وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة ، وخاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكّنت في موضعها من الفصل ، ووصفت حالة المتهكّم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى الأسفل والأعلى ، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية . وإن تعجب فعاجب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها ، إذ هي مقطعان : أحدهما مدّ ثقيل ، والآخر مدّ خفيف ، وقد جاءت عقب غنّتين في « إذا » و « قسمة » إحداهما خفيفة حادّة ، والأخرى ثقيلة متفشّية ، فكأنها بذلك ليست إلّا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي . ثم الكلمات التي يظنّ أنها زائدة في القرآن - كما يقوله بعض النحاة - فإنّ فيه من ذلك أحرفا ، كقوله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ « 1 » وقوله : فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً « 2 » قالوا : إنّ « ما » في الآية الأولى و « أن » في الثانية ، زائدتان ، أي في الإعراب ، فيظنّ من لا بصر له أنهما كذلك في النظم ويقيس عليه ! مع أنّ في هذه الزيادة لوتا من التصوير ، لو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته . فإنّ المراد بالآية الأولى تصوير لين النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) لقومه ، وأنّ ذلك رحمة من اللّه ، فجاء هذا المدّ في « ما » وصفا لفظيا يؤكّد معنى اللين ويفخّمه ، وفوق ذلك فإنّ لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق . ثم كان الفصل بين الباء الجارّة ومجرورها - وهو لفظ « رحمة » - ممّا يلفت النفس إلى تدبّر المعنى

--> ( 1 ) آل عمران : 159 . ( 2 ) يوسف : 96 .